2025-11-04
دروس مستفادة من تقييم العدالة في منح الشهادات المهنية لدى الاتحاد الدولي للكوتشينغ
ينطلق الاتحاد الدولي للكوتشينغ (ICF) في فلسفته لاعتماد الكوتشز المهنيين من مبدأ راسخ وبسيط في جوهره، وعميق في أثره: للمرشحين المؤهلين فرص متساوية لإثبات كفاءتهم وجدارتهم للعمل في مجال الكوتشينغ.
لا يقتصر هذا التوجه على الجوانب الإدارية أو الإجراءات التنظيمية، بل يقوم على مبدأ النزاهة، ويشمل نزاهة الشهادات، والمعايير، والالتزام الجاد بالحياد والعدالة في منح الاعتمادات.
خضع هذا المبدأ في عامي 2023 و2024، إلى اختبار عملي من خلال إجراء تقييم شامل للعدالة والإنصاف في برامج الاعتماد التي يشرف عليها الاتحاد. لم يكن الهدف مجرد مراجعة شكلية للإجراءات، بل سعى التقييم إلى قياس مدى قدرة النظام على خدمة قاعدة متنوعة من الكوتشز والمرشحين من أنحاء العالم المختلفة.
كما أتاح هذا الفحص العميق فرصة لتقويم آليات منح الشهادات وضمان أن تكون البرامج المعتمدة دقيقة، وموثوقة، وعادلة، ومتاحة للجميع، مع المحافظة على الجودة العالية التي يتوقعها الكوتشز ويستحقها العملاء.
أبرز هذا ما اكتُشف، وما أُنجز، وما لا يزال العمل عليه مستمراً؛ إذ لا يقتصر الاعتماد المهني المسؤول على تقييم المتقدمين فحسب، بل يشمل أيضاً مراجعة المؤسسة لنفسها وتطويرها المستمر.
أهداف التقييم
يتقدم آلاف الكوتشز كل عام من دول العالم المختلفة للحصول على الاعتماد المهني من الاتحاد الدولي للكوتشينغ، لما يمثله من محطة مفصلية في مسارهم المهني، وكتأكيد على جودة خدماتهم. أما بالنسبة للعملاء، فتمثّل الشهادة ضماناً للجدارة والاحترافية، وتمنحهم الثقة بأنَّ وقتهم ومالهم في أيدٍ أمينة.
من هذا المنطلق، يسعى الاتحاد دائماً إلى أن تكون عملياته دقيقة من ناحية التقييم، وعادلة من ناحية الفرص. ومع توسع مهنة الكوتشينغ عالمياً، تظهر تحديات جديدة تستوجب مراجعة مستمرة لمنظومة العدالة.
لذلك، طُرحت عدة أسئلة محورية خلال عملية التقييم:
- هل تلتزم الممارسات الحالية بالقِيَم المعلنة للاتحاد؟
- هل هناك عوائق غير مقصودة تؤثر على فرص بعض المرشحين؟
- كيف يمكن توسيع فرص الوصول دون المساس بجودة الإجراءات أو نزاهتها؟
وللإجابة على هذه التساؤلات، تم التعاون مع فريق الاتحاد المعني بالتنوع، والمساواة، والشمول، والانتماء (DEIB)، إلى جانب جهة بحثية خارجية مستقلة. وقد تم جمع تغذية راجعة من الفئات المعنية المختلفة: من مرشحين وكوتشز معتمدين، إلى المسؤولين عن التقييم، ومجموعات الأعضاء الداعمة، ما أتاح رؤية أوسع وأكثر دقة لواقع الاعتماد.

نتائج التقييم: مواطن القوة ومجالات التطوير
أظهر التقييم جوانب متينة يمكن البناء عليها، وأخرى تحتاج إلى تعزيز وتحسين. وكانت من أبرز النتائج:
1. التمثيل والتنوع اللغوي
تبيّن وجود نقص في عدد خبراء التقييم في بعض المناطق، لا سيما في آسيا. وهو ما يشكل تحدياً لتلبية الاحتياجات اللغوية والثقافية لمجتمع مرشحين عالمي متعدد الخلفيات.
2. التدريب على الكفاءة الثقافية
رغم وجود معايير قوية لضمان الحياد في التقييم، فقد كشفت النتائج عن إمكانية تحسين تدريب مسؤولي التقييم في مجالات الكفاءة الثقافية وفهم الفروق الدقيقة بين الخلفيات المختلفة، بما يسهم في تعزيز العدالة الحقيقية التي لا تقتصر على الاتساق، بل تشمل الفهم العميق للسياق.
3. إتاحة الوصول إلى الامتحانات الكتابية
اتّضح أنَّ هناك حاجة ملحة لتحسين إمكانية الوصول إلى الامتحانات، خاصة لدى أصحاب الهمم والمُرشحين الذين يحتاجون إلى تكييفات خاصة. ومن أبرز التحديات التي تم رصدها:
- نقص في المواد التحضيرية.
- عدم كفاية فترات الاستراحة خلال الامتحانات.
- صعوبة في الحصول على التسهيلات بسبب متطلبات التوثيق المعقدة.
- ضعف توافق نظام الامتحانات مع أدوات قراءة الشاشة التي يستخدمها أصحاب الهمم.
وقد تبيّن أنَّ هذه العوائق تُمثّل حواجز حقيقية تؤثر سلباً على فرص بعض المرشحين في اجتياز الامتحان.
خطوات التحسين التي تم تنفيذها
لا بدّ من اتخاذ إجراء حيال المعلومات التي تم الحصول عليها لكي تكون ذات فائدة. استجابةً لنتائج التقييم، اتّخذ الاتحاد خطوات عملية وجادة لتحسين تجربة الاعتماد، وشملت هذه الإجراءات:
- تدريب مسؤولي التقييم: عُزّزت برامج التدريب لتشمل الكفاءة الثقافية ومفاهيم تسهيل الوصول، بما يضمن تقييمات أكثر عدلاً ومرونةً في التعامل مع السياقات المتعددة.
- التوسع في التمثيل العالمي: بدأ الاتحاد بضم خبراء تقييم من مناطق لا يمثلها عدد كافٍ من الأعضاء لضمان التنوع اللغوي والثقافي.
- تحسين تجربة الامتحانات، من خلال:
- تخصيص استراحة مدتها 10 دقائق ضمن كل جلسة امتحان.
- اختبار ميزات جديدة مثل التحكم في الألوان، وأدوات الشطب، وأدوات التمييز.
- تطوير نسخ من الامتحانات متوافقة مع مجموعة متنوعة من تقنيات قراءة الشاشة.
- نشر أدلة إرشادية وموارد لمساعدة المرشحين على الاستعداد بشكل أفضل.
- توفير تسهيلات إضافية للمرشحين من ذوي الهمم:
- إتاحة تسهيلات تراعي المرشحين من ذوي الهمم.
- قبول أنواع جديدة من الوثائق الداعمة، تكون منخفضة التكلفة وسهلة التوفير.
- الاستعانة بخبراء في مجال الوصول والتكييف لضمان تطوير مستدام وفعّال.
جاءت كل هذه الخطوات بهدف تعزيز عدالة وشفافية عملية الاعتماد المهني.
الجهود المستمرة
يُدرك الاتحاد الدولي للكوتشينغ أنَّ هذا المسار ليس مشروعاً مؤقتاً، بل التزام مستمر بالتطوير والتقييم الذاتي.
ولا تزال هناك جهود قائمة لتطوير:
- طرائق تقييم الكفاءة بما يتناسب مع اختلاف اللغات والسياقات الثقافية والإقليمية.
- قنوات التغذية الراجعة لضمان سماع صوت المرشحين وأصحاب العلاقة بشكل منتظم.
- آليات المساءلة التي تضمن دمج العدالة والحياد وسهولة الوصول في كل مراحل تطوير واعتماد البرامج.
في الختام
يُعد الاعتماد المهني حجر الأساس في بناء الثقة؛ إذ يضمن أنَّ التقييم قائم على المعرفة والكفاءة، ويخلو من التحيّز أو العوائق غير المبررة.
وقد أعاد هذا المشروع التأكيد على أنَّ حُسن النية لا يكفي، بل لا بد من وجود أنظمة مدروسة تعكس تلك القِيَم في التطبيق العملي.
ويُعدّ ما قام به الاتحاد نموذجاً يُحتذى في الشفافية والتطور المؤسسي، ودليلاً على التزامه الحقيقي بمواكبة تطور المهنة واحتياجات مجتمع الكوتشينغ العالمي.
فالشهادة المهنية ليست مجرد إثبات للمعرفة، بل هي ضمان بأنَّ كل مرشح مؤهل سيحظى بفرصة عادلة لإظهار كفاءته، وهذا هو جوهر ما يسعى الاتحاد الدولي للكوتشينغ إلى تحقيقه والارتقاء به باستمرار.
هذا المقال من إعداد المدرب ابراهيم محمد، كوتش معتمد من ICTM




