5 خطوات لاكتساب عقلية الكوتشينغ


تأتي فاعلية الكوتشينغ من عوامل عدة، وتشمل مهارات محددة وعقلية متميزة؛ إذ إنَّ القدرة على التمييز بين هذين العاملين - مهارات الكوتشينغ وعقلية الكوتشينغ - أساس فهم رحلة الكوتشينغ برمتها؛ لذا سنتعمق في مقالنا هذا في الاختلافات الدقيقة التي تفصل بين هذين المكونين الأساسيين للكوتشينغ الناجح.

ثمة مفهوم خاطئ واسع الانتشار مفاده بأنَّ الكوتشينغ هو مجرد مجموعة من المهارات، مثل الإصغاء وطرح الأسئلة واستخدام نموذج "غرو" (GROW)؛ إذ يفترض بعضهم أنَّ تعلُّم هذه المهارات سيحول المتدرِّب إلى كوتش خبير أو مدير كوتشينغ قادر على تطبيق نهج الكوتشينغ في أي موقف.

لكن لا يحدث هذا دوماً، فعندما يتعلق الأمر بعقلية الكوتشينغ الحقيقية، ما يهم هو النية والأهداف الكامنة وراء كلماتك، وعلى الرغم من أنَّ المهارات على يسار الجدول الآتي تعزز جودة الكوتشينغ، إلا أنَّ الصفات المذكورة على يمينه هي التي تشكِّل عقلية الكوتشينغ.

مهارات الكوتشينغ

عقلية الكوتشينغ

الإصغاء

الاحترام

طرح الأسئلة

الذكاء العاطفي

استخدام نموذج "غرو"

الثقة بإمكانات الآخرين

الفرق بين مهارات الكوتشينغ وعقلية الكوتشينغ:

لا تقتصر عقلية الكوتشينغ على مجرد طرح أسئلة ضمن إطار نموذج "غرو" والإصغاء إلى إجابات متلقي الكوتشينغ؛ إذ يمكن تطبيق عقلية الكوتشينغ في مواقف متنوعة، مثل الإدارة التوجيهية التي تتمحور حول توجيه الأشخاص أو إصلاح أخطائهم، وتقديم المنتورينغ للآخرين من خلال تبادل المعرفة والخبرات.

من الأمثلة عن ذلك هو عندما اضطر أحد المديرين الذي تلقَّى دورة كوتشينغ إلى فصل أحد موظفيه، وبدلاً من إعلامه بذلك الخبر السيئ مباشرة، أجرى المدير مع الموظف محادثة قائمة على نموذج "غرو"؛ إذ تفاجأ المدير من النتيجة عندما أدرك الموظف أنَّه يجب أن يستقيل، ثم أعرب عن امتنانه لجلسة الكوتشينغ.

لقد اكتسب المدير عقلية الكوتشينغ، وهذا أدى إلى إنشاء بيئة آمنة تتيح للموظف التفكر في احتياجاته ورغباته وخياراته، ثم اتخاذ قرار إخراج نفسه من موقف لم يكن مفيداً لأي أحد، إذاً السؤال الآن "كيف يمكن للكوتشز المتدربين تنمية هذه العقلية؟ وكيف يدركون أنَّهم يعملون بها بدلاً من مجرد تقديم مجموعة من الأسئلة المأخوذة من دليل الكوتشينغ؟".

يصعب الأمر أكثر على أولئك الذين تربوا على أيدي أشخاص لا يتقنون التواصل أو عملوا معهم، مثل الآباء أو المعلمين أو المديرين؛ إذ نتعلم كيفية التواصل مع الآخرين من خلال مراقبة ما يدور حولنا، فإذا نشأ المرء محاطاً بأفراد ملهمين وإيجابيين ومتعاطفين، فسيكتسب عقلية الكوتشينغ دون عناء، وقد تحسِّن مهارات الكوتشينغ عقليته تلك وتساعده على فهم سبب نجاح نهجه، أما بالنسبة إلى أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في ذلك، فلحسن الحظ يمكن تعلُّم المهارات المطلوبة لتنمية عقلية الكوتشينغ.

5 خطوات لاكتساب عقلية الكوتشينغ:

1. تعلُّم مهارات الكوتشينغ لتصبح تلقائية:

قد تنمِّي التقنيات التي يُشار إليها عادةً باسم "مهارات الكوتشينغ التأسيسية" السمات المطلوبة لتصبح قائداً مُلهِمَاً وصديقاً متعاطفاً وأباً أو معلماً عظيماً وكوتشاً فعالاً، ولكنَّ تعلُّم هذه المهارات ليس سوى أول خطوة نحو اكتساب عقلية الكوتشينغ، فمن الضروري ممارستها كي تصبح تلقائية ونطبقها في جميع المواقف.

تشير التطورات الحديثة في علم الأعصاب إلى أنَّنا نستطيع القيام بمهام عدة معتادة في نفس الوقت، بينما لا نستطيع التركيز إلا على مهمة واحدة غير معتادة فقط، على سبيل المثال، يمكننا القيادة على طريق مألوف في أثناء التدرب على إلقاء عرض تقديمي، لكن إن اتبعنا طريقاً غير مألوف، فسنقود السيارة، لكن دون أن نتمكن من التدرب على العرض التقديمي، فالسائق الذي يقود سيارة لأول مرة، لن يتمكن من التركيز إلا على قيادتها فقط.

ينطبق الأمر ذاته على القادة، فالمدير الذي لم تصبح مهارات الكوتشينغ لديه تلقائية، فسوف يتمكن من استخدامها في مواقف مألوفة وعادية، لكن في أوقات التوتر، سينصب كل تركيزه على ذلك الموقف العصيب، وسينسى جميع تلك المهارات ويُظهِر استجابته المعتادة للتوتر ما لم تصبح تلك المهارات تلقائية، وينطبق كل هذا بالطبع على كيفية إدارة علاقاتنا عموماً، سواء في المنزل أم في العمل.

لا يمكن أن يؤدي حضور دورة تدريبية مدتها يوم أو يومان إلى ترسيخ مهارات الكوتشينغ وتحويلها إلى مهارات تلقائية، ولكنَّ الاستثمار في الكوتشينغ والممارسة الإضافية يعزز تعزيزاً كبيراً احتمالية تنمية عقلية الكوتشينغ لدى الفرد، ومن ثمَّ إرساء ثقافة الكوتشينغ في المنظمة.

2. الثقة بإمكانات الآخرين:

أحد العناصر الجوهرية في عقلية الكوتشينغ هو الإيمان الراسخ بالإمكانات البشرية؛ إذ يجب أن يحافظ الكوتشز على تفاؤلهم بشأن قدرة الأشخاص على النمو والتغيير، فيساعد هذا التفاؤل على تعزيز الثقة بالنفس والتحفيز لدى مَن يقدِّمون لهم الكوتشينغ أو يديرونهم أو يتفاعلون معهم، لذلك ركز على ما يملكه الناس من مهارات، وليس على ما لا يملكونه.

3. الاستفادة من الذكاء العاطفي:

يشير الذكاء العاطفي إلى سمات مثل التعاطف والوعي الذاتي والتحكم بالعواطف، فهو يشكل أساس عقلية الكوتشينغ ويؤدي دوراً حاسماً في القيادة الفعالة، وقد صاغ المؤلف "دانيال جولمان" (Daniel Goleman) مصطلح "الذكاء العاطفي" (EQ)، وبعد أبحاث مكثفة، توصل إلى استنتاج مفاده أنَّ أهمية الذكاء العاطفي تضاهي ضعف أهمية الذكاء العقلي في مكان العمل عموماً، وما يقرب من ستة أضعاف أهميته في المناصب القيادية، فالذكاء العاطفي هو الأساس الذي تقوم عليه عقلية الكوتشينغ.

4. السماح لمتلقي الكوتشينغ بالتحكم في الحديث:

تجنَّب التحكم في المحادثة، ودع متلقي الكوتشينغ يقوم بذلك؛ إذ تتمحور جلسة الكوتشينغ حول استكشاف احتياجات متلقي الكوتشينغ وأفكاره وما يلهمه، وليس حول الكوتش أو غروره أو رغبته المحتملة في إنقاذ الموقف من خلال التدخل بأفكاره وحلوله.

أما بالنسبة إلى مدير يجري محادثة أو مراجعة مع أحد الموظفين، فيجب أن تكون الأولوية لاحتياجات العمل، لكن ما يزال من الممكن تطبيق مبادئ الكوتشينغ؛ إذ يؤدي تشجيع الفريق على تقديم التعليقات والأفكار - بدلاً من محاولة توجيههم فحسب - إلى تقديم أفكار وتحقيق إنجازات لم تكن لتتوقعها الشركة.

في الاجتماعات، استفد دوماً من مهارات جميع الحاضرين ومعلوماتهم؛ إذ ستكتسب أفكاراً جديدة، وسيستمتع الجميع في اجتماعاتك، فكلما سمحت لهم بالمساهمة، زاد احترامهم لك بصفتك قائداً، فلا شيء يعزز ولاء الموظفين أكثر من قائد يتمتع بعقلية الكوتشينغ.

التحكم حاجة أساسية لدى البشر، ويعود ذلك إلى زمن أسلافنا عندما ساعدتهم السيطرة على بيئتهم على النجاة، وإلا ربما لأكلهم حيوان أو ماتوا من شدة البرد، وفي كثير من الأحيان، عندما نشعر بأنَّنا لم نعد نسيطر على الموقف في مكان العمل، يبدو الأمر وكأنَّنا نواجه حالة حياة أو موت من جديد، فنصاب بالذعر، وهذا يثير استجابة الكر أو الفر أو التجمد البدائية، فتجعلنا أقل قدرة على التفكير بوضوح عندما نكون في أمس الحاجة إلى ذلك.

عندما تتابع مع الموظفين وتطرح عليهم الأسئلة - لا سيما الذين يشغلون مناصب أقل من منصبك - فأنت تمنحهم شعوراً بالسيطرة، وهذا سيجعلهم يشعرون بالراحة والقدرة على التفكير بوضوح أكبر والتعاون وطرح أفضل الأفكار.

5. احترام الحدود:

توجد حدود خفية في المحادثات والعلاقات قد ينتهكها المرء أحياناً دون حتى أن يدرك ذلك، فيجب احترام الحدود الشخصية من خلال طلب الإذن، فالحدود - مثلها مثل أي عرف ثقافي - قد تختلف اختلافاً كبيراً من شخص لآخر، وتتشكَّل حسب تربيتهم وخبراتهم التعليمية أو العملية وأي تأثيرات أخرى قد يتعرضون لها؛ لذا قد يعزز فهم هذه الثقافات الشخصية وطلب الإذن للحديث عنها الاحترام ويؤدي إلى إنشاء بيئة فريق سليمة.

حدد عالم النفس "بروس تاكمان" (Bruce Tuckman) المراحل التي قد يمر بها فريق العمل، وهي التشكيل والصراع والتوافق والأداء، وسواء كنت تتعامل مع التفاؤل والطاقة الأولية للفريق في مرحلة "التشكيل"، أم تتعامل مع الخلافات وسوء الفهم في مرحلة "الصراع"، فإنَّ وضع الحدود واحترامها قد يضمن رحلة أكثر انسجاماً نحو تحقيق "التوافق" مع الفريق.

كان "جوك لوي" (Jock Lowe) - مدير عمليات الطيران السابق في الخطوط الجوية البريطانية - يذكِّر الطيارين دوماً بأنَّ الخطر لا يكمن داخل قُمرة القيادة؛ حيث تنشب الخلافات أحياناً بين أفراد الفريق؛ بل في الخارج؛ حيث قد تتسبب أيَّة مشكلة في سقوط الطائرة، وقد يؤدي الشجار بين مساعدي الطيارين أو الخوف من التحدث إلى شخص متنمر إلى تحويل تركيز أفراد الفريق عن مهمتهم التي تتمثل في ضمان سلامة الرحلة.

لا يواجه الفريق التنظيمي خطراً كهذا؛ بل منافسين في مجال عملهم، لكن قد يكون لذلك تأثير في خفض المكافآت في نهاية العام، أو حتى التسبب في فشل المنظمة، وقد يحدث الأمر ذاته في حزب سياسي أو منظمة غير ربحية، فإذا كانت المنظمة عبارة عن مستشفى، فقد يخاطر الفريق بصحة المرضى.

يزداد إحساسنا بالسيطرة عندما يطلب الناس إذننا، وينعكس ذلك في حقيقة أنَّه كلما شعر الموظفون بالأمان في بيئة العمل؛ حيث يتلقون الدعم ولا يُلقى عليهم اللوم، ازداد استعدادهم لتحمُّل المخاطر، وزاد شعورهم بالثقة، وتحسَّن أداؤهم وولاؤهم، كما يؤدي طلب الإذن إلى وضع الحدود الضرورية واحترامها لتحقيق الانسجام في العلاقات.

في الختام:

تؤدي المهارات والعقلية دورين حيويين في مجال الكوتشينغ؛ إذ توفِّر المهارات إطاراً ملموساً لدعم متلقي الكوتشينغ خلال رحلته، بينما ترسِّخ العقلية النهج الفلسفي للكوتشينغ، كما يتيح التفاعل بين هذين الجانبين فرصة للتغير، وهذا يعزز نجاح نهج الكوتشينغ.

يساعد فهم ذلك الكوتشز والمديرين على حد سواء على تقدير رحلة الكوتشينغ والتعامل معها بفاعلية أكبر؛ إذ تكمن عقلية الكوتشينغ في قلوبنا وقيمنا ومواقفنا، بينما تمثِّل مهارات الكوتشينغ وسيلة للتعبير عنها.