8 أهداف للاستشارات الإدارية - الجزء الأول


يتلقى مستشارو الإدارة مَبالغ طائلة مقابل خدماتهم، وتُدفَعُ الكثير من هذه الأموال لقاء تقديم بيانات غير عمليَّة وتوصيات تُنفَّذ تنفيذاً سيئاً، ولتقليل هذا الهدر يجب على العملاء فهم ما يمكن أن تُنجزه المهام الاستشارية، إنَّهم بحاجة إلى طلب المزيد من هؤلاء المستشارين، الذين يجب عليهم بدورهم أن يتعلَّموا تلبية هذه الزيادة في التوقعات منهم.

يستند هذا المقال إلى الأبحاث الحاليَّة حول الاستشارات الفاعلة، بما في ذلك مقابلات مع شركاء ومسؤولين من خمس مؤسسات استشارية معروفة لتوضيح الهدف من الاستشارات الإدارية، وعندما يكونُ الهدف واضحاً، فمن المرجَّح أن يتعامل كلا الطرفين بكفاءَة مع عملية تقديم الاستشارات.

التسلسل الهرمي للأهداف:

تتضمنُ الاستشارات الإدارية مجموعة واسعة من النشاطات، وغالباً ما تُعرِّف العديد من المؤسسات الاستشارية وأعضاؤها هذه الممارسات تعريفاً مُختلِفاً تماماً، وتتمثَّلُ إحدى طرائق تصنيف النشاطات فرزها حسب خبرة الموظَّف؛ مثل التحليل التنافسي أو استراتيجية الشركة أو إدارة العمليات أو الموارد البشرية، لكن عملياً تُوجَدُ اختلافات كثيرة داخل هذه الفئات من جهة، وبين كل منها من جهة أخرى.

ثمة نهج آخر ينظر إلى العملية على أنَّها سلسلة من المراحل: التمهيد، والتعاقد، والتحليل، وجمع البيانات، والتغذية الراجعة، والتنفيذ، وما إلى ذلك، ومع ذلك عادةً ما تكون هذه المراحل مترابطة أكثر مما يعترف به معظم الاستشاريين.

ربما تكون الطريقة الأكثر فائدة لتحليل العملية هي النظر في أهدافها؛ إذ يؤثر تحديد الأهداف بدقة في نجاح عمليَّة التعاقد بين الطرفين، وفيما يلي ثمانية أهداف أساسية للاستشارة مُرتَّبة هرمياً:

  1. توفير المعلومات للعميل.
  2. حل مشكلات العميل.
  3. إجراء التحليل الذي قد يستلزم إعادة تعريف المشكلة.
  4. تقديم التوصيات بناءً على التحليل.
  5. المساعدة على تنفيذ الحلول المُوصَى بها.
  6. التوافق على الإجراءات التصحيحية والالتزام بها.
  7. تسهيل تعلُّم العميل؛ أي تعليم العملاء كيفية حل المشكلات المماثلة في المستقبل.
  8. تحسين الفاعليَّة التنظيمية باستمرار.

تُفهَم وتُمارَس الأهداف الأولى على وجه أفضل، ويطلُبُها العملاء أكثر من غيرها من الأهداف، ومع ذلك يطمحُ العديد من الاستشاريين إلى مستوى في الهرم أعلى من الذي يحققه معظم المتعاقدين معهم.

تُعَدُّ الأهداف من 1 إلى 5 عموماً أهدافاً منطقية رغم بعض الخلافات المحيطة بالهدف 5، ومن غير المرجَّح أن يعالجَ مستشارو الإدارة الأهداف من 6 إلى 8 على نحو صريح، وليس من المرجَّح أن يطلبها عملاؤهم، ولكنَّ المؤسسات الاستشارية الرائدة وعملاءَها بدأت بالتعامل مع الأهداف الأولى؛ حيث تتضمن الأهداف الأخرى أيضاً.

من الأفضل التعامل مع الأهداف من 6 إلى 8 على أنَّها نتيجة ثانوية للأهداف السابقة؛ أي هي ليست أهدافاً إضافية تبرز أهميتها فقط عندما تتحقق الأهداف الأخرى، إنَّها ضرورية للاستشارة الفعَّالة حتى لو لم تُعرَّف كأهداف صريحة عند بدء التعاقُد.

يتطلَّبُ الانتقال نحو أهداف أكثر طموحاً في الهرم زيادة التطور والمهارة في العمليات الاستشارية، وإدارة العلاقة بين المستشار والعميل، ويحاولُ أحد الاستشاريين أحياناً تغيير الهدف من التعاقد على الرغم من عدم الحاجة إلى التغيير، ربما لم تَعُد تعرف المؤسسة الاستشارية ما هو أفضل للعميل وما هو أفضل لعمل الاستشاري، ولكنَّ الاستشاريين ذوي السمعة الطيِّبة لا يحاولون عادةً إطالة التعاقدات أو توسيع نطاقها.

أينما تبدأُ العلاقة على الهرم، فإنَّ المَهمَّة الأولى للطرف الخارجي هي معالجة الهدف الذي يطلبه العميل، وعندما تدعو الحاجة، قد يتَّفق الطرفان على الانتقال إلى أهداف أخرى.

1. تقديم المعلومات:

قد يكون أشيع سبب لطلب المساعدة هو الحصول على المعلومات التي قد يتضمن تجميعها استطلاعات الرأي، ودراسات التكلفة، ودراسات الجدوى، واستطلاعات السوق، أو تحليلات الهيكل التنافسي للمجال أو الأعمال التجارية، وقد ترغب الشركة في الحصول على خبرة استشارية خاصة أو الحصول على معلومات أكثر دقة وحداثة يمكن أن تقدِّمها المؤسسة الاستشارية، أو قد لا تتمكَّن الشركة من توفير الوقت والموارد لمعالجة البيانات داخلياً.

غالباً ما تكون المعلومات هي كل ما يريده العميل، ولكنَّ المعلومات التي يحتاج إليها العميل تختلف أحياناً عمَّا يُطلَبُ من الاستشاري تقديمه. طلبَ أحد الرؤساء التنفيذيين إجراء دراسة عما إذا كان كل نائب رئيس يملك عملاً كافياً لتكون له سكرتيرتهُ الخاصة، ورفض الأشخاص الذين اتصَّل بهم المشروع؛ وذلك لأنَّهُ - كما قالوا - كان يعرف الإجابة بالفعل ولن تقنع دراسة مُكلفة نواب الرئيس على أي حال.

لاحقاً قال شريك المؤسسة الاستشارية: "أسألُ كثيراً: ماذا ستفعلُ بالمعلومات بمجرد حصولك عليها؟ العديد من العملاء لم يفكروا في ذلك من قبل"، غالباً ما يحتاج العميل فقط إلى استخدام أفضل للبيانات المُتاحة لديه، وعلى أي حال لا يمكن لأي شخص خارجي تقديم نتائج مفيدة ما لم يفهم سبب طلب المعلومات وكيف ستُستخدم، ويجب على الاستشاريين أيضاً تحديد المعلومات الهامة المتوفِّرة أصلاً.

يجب ألَّا تكون الأسئلة التي تبدو غير متعلقة بالموضوع من كلا الجانبين سبباً للخلاف؛ إذ قد تكون مثمرة للغاية، وعلاوة على ذلك يتحمَّلُ الاستشاريون مسؤولية استكشاف الاحتياجات الأساسية لعملائهم، ويجب أن يستجيبوا إلى طلبات البيانات بطريقة تسمحُ لهم باكتشاف الاحتياجات الأخرى ومعالجتها كونها جزءاً مُتَّفقاً عليه في العقد.

2. حل المشكلات:

غالباً ما يُكلِّفُ المديرون الاستشاريين بحلِّ مشكلات صعبة؛ على سبيل المثال قد يرغب العميل في معرفة ما إذا كان يتعيَّن عليه أن يصنعَ مكوِّناً أم يشتريه، يشتري أم يبيع خط إنتاج؛ أم يُغيِّر استراتيجية التسويق، أو قد تسأل الإدارة عن كيفية إعادة هيكلة المنظمة لتكون قادرة على التكيُّف بسهولة أكبر مع التغيير، ما هي السياسات المالية التي يجب اعتمادها؟ أو ما هو الحل الأنجع لمشكلة في التعويض أو الروح المعنويَّة أو الكفاءة أو التواصل الداخلي أو التحكُّم أو تَعاقُب الإدارة أو أي شيء آخر.

البحث عن حلول لمشكلات من هذا النوع هو بالتأكيد مَهمَّة منطقيَّة، لكنْ على الاستشاري أيضاً مسؤولية مهنية للتساؤل عما إذا كانت المشكلة المطروحة هي أكثر ما يحتاج إلى حل. في كثير من الأحيان يحتاج العميل إلى المساعدة على تحديد المشكلة الحقيقية، وفي الواقع يرى بعض الاستشاريين أنَّ المديرين التنفيذيين الذين يُمكِنُهم تحديد جذور مشكلاتهم بدقَّة لا يحتاجون إلى مستشارين إداريين على الإطلاق، ومن ثم فإنَّ الوظيفة الأولى للاستشاري هي استكشاف سياق المشكلة، وللقيام بذلك قد يسأل:

  • ما هي الحلول المُجرَّبَة سابقاً، وما نتائجها؟
  • ما هي الخطوات غير المُجرَّبَة نحو الحل التي تدور في ذهن العميل؟
  • ما هي الجوانب ذات الصلة بأعمال العميل التي لا تسير على ما يرام؟
  • إذا عُثِرَ على حلٍّ للمشكلة، فكيفَ سيتمُّ تطبيقه؟
  • ما الذي يُمكِنُ فعله لضمان قبول الجميع بالحل؟

يجب ألَّا يرفض المستشار الإداري أو يقبل الوصف الأوَّلي للعميل على الفور، ولنفترِض أن المشكلة المطروحة هي انخفاض معنويات وضعف أداء العاملين بأجر ساعي، قد يقضي المستشار الذي يقبل هذا الوصف على الفور الكثير من الوقت في دراسة الأعراض دون الكشف عن الأسباب، ومن ناحية أُخرى فإنَّ الاستشاري الذي يرفض بسرعة كبيرة هذه الطريقة في وصف المشكلة سينهي عمليَّة استشارية قد تكون مفيدة قبل أن تبدأ.

إن كان ممكناً، فإنَّ الخطة الأكثر حكمة هي تقديم اقتراح يركِّز في قلق العميل المُعلَن من جهة واستكشاف العوامل الأُخرى ذات الصلة من جهة أُخرى، وتُوجَدُ أحياناً مواضيع حساسة يكون العميل على دراية بها درايةً تامة، ولكنَّهُ يواجهُ صعوبة في مناقشتها مع شخص خارجي. عندما يعمل الطرفان معاً، قد يتوصَّلان إلى إعادة تعريف المشكلة، وقد يتحوَّل السؤال من: "لماذا لدينا مواقف وأداء ضعيف في العمل الساعي؟" إلى "لماذا لدينا نظام جدولة عمليات ضعيف ومستويات مُنخفِضَة من الثقة داخل فريق الإدارة؟"

بناءً عليه، تتضمَّنُ عملية الاستشارات المفيدة التعامُل مع المشكلة كما حدَّدها العميل بطريقة تُظهِر تعريفات أكثر فائدة تلقائياً مع تقدُّم العملية، ونظراً إلى أنَّ معظم العملاء - مثل أي شخص آخر - مترددون بشأن حاجتهم إلى المساعدة في أهم مشكلاتهم، يجب على الاستشاري الاستجابة بمهارة إلى احتياجات العميل غير المُصرَّح عنها، ويجب على العملاء فهم حاجة المُستشار إلى استكشاف المشكلة قبل الشروع في حلِّها ويجب أن يدركوا أنَّ تعريف المشكلة الأكثر أهمية قد يتغيَّر مع تقدُّم الدراسة، وحتى أكثر العملاء الذين ينفد صبرهم من المرجَّح أن يوافقوا على أنَّهُ لا جدوى من حل مشكلة ليست لها صلة أو من حل لن يُنفَّذَ أبداً.

3. التحليل الفاعل:

تكمن قيمة الاستشاريين الإداريين في خبرتهم في التحليل، ومع ذلك قد تؤدي عملية إجراء تحليل دقيق إلى توتر في العلاقة بين المستشار والعميل، نظراً إلى أنَّ المديرين غالباً ما يخشون الكشف عن المواقف الصعبة التي قد يُلامون عليها، يتطلَّبُ التحليل الجيِّدُ أكثر من مجرد فحص البيئة الخارجيَّة وتكنولوجيا واقتصاديات العمل وسلوك الموظفين غير الإداريين في المنظمة، ويجب على الاستشاري أن يسأل أيضاً لماذا اتَّخذَ المديرون التنفيذيون خيارات معيَّنة تبدو الآن خاطئة، أو تجاهلوا بعض العوامل التي تبدو هامَّة الآن.

مع أنَّ سبب استقدام استشاريين خارجيين هو إجراء تحليل مُستقل، فإنَّ مساهمة أعضاء منظَّمة العميل في عملية التحليل أمر منطقي.

يصرُّ الاستشاريون عادةً على تعيين أعضاء من فريق العميل للمشروع، ويجب عليهم - وليس على الاستشاريين - القيام بالعمل التفصيلي، ويساعد الاستشاريون العملاء ويشجعونهم، ولكنَّهم هم مَن سيقومون بالعمل، وفي أثناء حدوث ذلك يتحدَّثون إلى الرئيس التنفيذي كل يوم لمدَّة ساعة أو ساعتين حول المشكلات التي تظهر، ويلتقون مع رئيس مجلس الإدارة مرة واحدة في الأسبوع.

بهذه الطريقة تُحلَّلُ المشكلات الاستراتيجية المُتعلِّقة بالمشكلات التنظيمية، ويجري تعرُّف مهارات الأشخاص الرئيسين وما يُمكِنُهم القيام به وكيفية عملهم، وعندما تُقدَّم توصيات استراتيجية وتنظيمية، فإنَّها عادةً ما تكون مقبولة جداً؛ وذلك لأنَّها اختيرَت بدقَّة.

من الواضح أنَّهُ عندما يشارك العملاء في عملية التحليل، فمن المُرجَّح أن يعترفوا بدورهم في المشكلات، ويقبلوا إعادة تحديد مَهمَّة الاستشاري؛ لذلك تُنشِئ الشركات الكبرى آليات مثل فِرَق عمل مشتركة بين الاستشاريين والعملاء لتحليل البيانات وأجزاء أخرى من العملية، ومع استمرار العملية يبدأ المديرون تلقائياً بتنفيذ الإجراءات التصحيحية دون الحاجة إلى انتظار التوصيات الرسميَّة.

في الختام:

تحدَّثنا في هذا الجزء من المقال عن التسلسل الهرمي للأهداف، وعن ثلاثة أهداف من الاستشارات الإدارية، وسنتابعُ في الجزء الثاني الحديث عن بعض الأهداف الأخرى.